جــذور الـذات المفقـــودة لم يعرف العرب الانتماء للوطن والولاء للقومية إلا مع بزوغ الإسلام، وأقصى ما وصلوا إليه من انتماءات ـ فيما قبل الإسلام ـ كان الولاء للقبيلة والعصبية لها، تلك العصبية التي تتنافى مع مفهوم الهوية الوطنية والولاء القومي، فضلا على فكرة الدولة ومؤسساتها، إذ تقوم العصبية على مبدأ: انصر أخاك ظالما أو مظلوما، وعبر الشاعر العربي القبلي عن ذلك: لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا. جاء الإسلام ليصنع من الخيام العربية كيانا عربيا، دولة وقومية، بزغت في المدينة المنورة، وترعرعت في ربوع الجزيرة العربية، ونمت من المحيط إلى الخليج. جاء الإسلام ليجعل للذات العربية هوية جديدة، وانتماء جديد، ثمثل في الولاء والبراء للإسلام، لا للقبيلة أو النسب، نجد ـ على سبيل المثال ـ مصعب بن عمير يجد شقيقه عُزير في الأسر في غزوة بدر فيقول للأنصاري: اشدد عليه الوثاق فإن له أم ذات متاع لعلها تفديه منك بمال كثير فيقول عزير (شقيقه): أهذه وصياتك بأخيك. فيجيب مصعب معبرا عن مبدأ الولاء والبراء أو قل الهوية الجديدة: هو أخي من دونك. ما أروعها من هوية للذات العربية التي كانت لا تسأل عن البرهان، فتلبي نداء العصبية، فأضحت هوية تقول على العدل والبرهان بدون تمييز لجنس عن آخر، أو لقبيلة عن أخرى، فلا فضل لعربي أو أعجمي إلا بالتقوى، ويهذب الإسلام مبدأ: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" فيجعل نصرته رده عن الظلم إن كان ظالما. ظلت الهوية العربية على مر العصور الإسلامية مرادفة للهوية الإسلامية، ملازمة لها، متجاوزة كل المحاولات التي سعت للفصل بينهما، بدأ من عصبية بني أمية للجنس العربي دون غيره، مرورا بالشعوبية وحركات الزندقة. ومن ثم قد قامت الهوية العربية على مرجعية إسلامية حضارية، وبدون تلك المرجعية ما كان يمكن أن تقوم تلك الهوية. وهنا نتساءل: متى قامت ـ أو بالأدق ـ متى نودي للهوية العربية المستندة للمرجعية العلمانية؟ متى نودي للهوية العربية التي سعت لتجعل من الإسلام مجرد طقوس دينية؟ متى وكيف نودي لتلك الهوية التي غضت الطرف عن حضارة الإسلام، بل وتهمته بالتخلف والرجعية؟ هذا ما نجيب عنه في المقال القادم
الاثنين، 23 نوفمبر 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق