رؤية حق أريد بها باطـل لا عجب أن تسيطر الانقسامات العربية والخلافات السياسية على القرار السياسي، ولكن العجب العجيب أن تؤدي هذه الخلافات وتلك الانقسامات إلى الخلاف الفقهي والديني في وقت أصبحت الأمة في أمس الحاجة إلى التوحد الوجداني قبل الترابط السياسي. لعبت الخلافات السياسية الدور الرئيسي في تمزيق شمل الأمة جغرافيا، وكذلك سياسيا، بل وفكريا، ويبدو الآن تلعب القيادات السياسية والحكومات العربية دورها لتمزق شمل الأمة دينيا وعقديا. بالأمس القريب تبنت المؤسسات السياسية الدعوة إلى الفتنة الدينية والطائفية عندما هاجمت لبنان وحزب الله تحت شعار العداء للشيعة والباطنية، وتبارت المؤسسات الدينية لتصديق على القرار السياسي وتأييده بالأدلة والأسانيد، بينما صمدت هذه المؤسسات عن تحالف أو على أقل تقدير تعاطف السياسيين مع العدو الصهيوني. واليوم يتكرر السيناريو يختلف العلماء وفقهاء الدين حول مطلع الشهور العربية وخاصة (رمضان وعيد الفطر) ويغضون الطرف عن قرارات مؤتمر لجنة التقويم الموحد بجدة 1998 بل يغضون الطرف عن الحسابات الفلكية والعلمية حتى يتم الفتح المبين في تمزيق شمل الأمة وتفريق كلمتها. وإحقاق للحق نقول إن الفقه الإسلامي يشمل على رأيين: أولهما: وهو قول جمهور الفقهاء إن الخطاب في قوله تعالى: )فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقول النبي صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فان غم عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما (جميع الملكفين لأنه إذا ثبتت الرؤية في حق بلد من البلاد الإسلامية وجب عليهم العمل بها وتبليغها الى بقية الدول الإسلامية الأخرى التي لم تشهد ووجب على من لم ير الاخذ برؤية من رأى والصوم معهم إن كانوا مشتركين معهم في جزء من الليل وهذا القول يعتمد على وحدة المطالع بالنسبة لجميع البلاد اعتمادا على وحدة العبادة بين المسلمين ان تعلقت بهم في يوم واحد يشترك في جزء من الليل وهذا مذهب الحنفية والمالكية وقول الشافعية والحنابلة. وثانيهما: أن لكل بلد مطلعه فإذا ما رأى أهل بلد إسلامي الهلال ولم يره أهل البلد الآخر وجب على من رأى العمل بمقتضى هذه الرؤية ولا يلتزم بها أهل البلد الآخر لأنهم لم يروا لان الحديث موجه الى المخاطبين بالرؤية فقط ولان الصوم متعلق بالرؤية وليس بالعلم بها عن الغير وهذا مذهب جمهور الشافعية والحنابلة وقول في مذهب الحنفية والمالكية. فالرأيان من حيث الأصل الشرعي والاجتهاد الفقهي صحيحان، ولكن ما الذي يجعلنا نرجح رأي دون الآخر، ونميل لهذا أكثر من ذاك، إن كان الدليل الشرعي أو المصلحة العامة .. فأهلا وسهلا، ولكن إن كانت الغاية السياسية والمصلحة الذاتية فلا أهلا ولا سهلا، وخاصة أن المصلحة العامة والحاجة للشعوب الإسلامية ترجح الرأي الأول. إذا هي رؤية حق أريد بها باطل.
الاثنين، 23 نوفمبر 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق