الديمقراطية في المتحف الإنساني من أكبر الإشكاليات التي تواجه المرء على الساحة العربية بل والعالمية التناقض الصريح بين القول والفعل، وبين النظرية والتطبيق. تتشدق الهيئات السياسية وأبواقها الإعلامية بالديمقراطية ومبادئها، وتتفاخر المؤسسات الثقافية والفكرية بالعلمانية وقيمها، وجميعهم يصر على الاحتذاء بالنموذج الغربي في ديمقراطيته وعلمانيته. بينما تتملص هذه الهيئات وتلك المؤسسات من هذه المبادئ وتلك القيم عندما تتعارض مع أجندتها الخاصة وأهدافها والشخصية. فلا ... وألف لا للديمقراطية إن كانت ممارستها ستئول إلى فوز ساحق أو حتى متواضع للمعارضة (سواء أكانت معارضة إسلامية أم معارضة ليبرالية). ولا للعلمانية ... وألف لا لحريتها التي تتباهى بها، ما دامت ستمسح في نهاية الأمر بهامش من الحرية لأصوات حرةٍ أبيّةٍ تأبى الضيم والظلم. ولا تحسبنّ أن هذه الإشكالية إشكالية عربية خالصة، لما تتميز به البيئة العربية من شعارات براقة وخطب رنانة، بالإضافة لتميزها بالاستبداد السياسي والكبت الفكري، إن إشكالية التناقض هذه إشكالية أصيلة في الفكر العلماني وديمقراطيته الغربية (ديمقراطية الشرق الأوسط الجديد) التي ترفض كل ما هو إسلامي، سواءً أكان ما هو إسلامي يتفق معها أم يختلف. فلا... وألف لا للانتخابات الحرة النزيهة. ولا ... وألف لا لحرية الصحافة والإعلام. ولا ... وألف لا لحقوق الإنسان. ونعم ... وألف نعم للعنصرية والإبادات الجماعية. وكنت أظن أن هذا التناقض في الممارسة الديمقراطية للسياسة الغربية مقتصر على الممارسات الديمقراطية مع البلاد العربية والإسلامية فحسب، ولكن يتضح أن الديمقراطية ومبادئها أصبحت مهددة في عقر دارها بسب هذا التناقض الصريح في ممارستها حتى على أرضها وبلادها. أمريكا مثلا راعية الديمقراطية وحاميتها (على رأي المثل حاميها حراميها) تصدق على قانون مكافحة الإرهاب ـ الذي يتنافى مع مبادئ الديمقراطية البدائية. وبريطانيا تمارس أشكال التمييز العنصري على أساس الجنس والدين بين مواطنيها وعلى أراضيها ليس لشيء أكثر من أنهم مسلمون أو من أصول عربية. أما فرنسا فلقد سبقت الجميع وصادرت الحريات الشخصية في حق ارتداء ما تريد، فمنعت ارتداء الحجاب ـ وسمحت بالطبع تحت شعار الحرية الشخصية ـ بخلع ما تريد حتى ولو كان...؟!! في تقديري أن الديمقراطية أصبحت في متحف الفكر الإنساني بعد عودة الإمبريالية الغربية وسيطرت أذنابها في البلاد العربية والإسلامية على مجريات الأمور.
الاثنين، 23 نوفمبر 2009
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق