الأربعاء، 14 يناير 2009

الأقصى ... تقتله الفئة الباغية!

هاني إسماعيل محمد
"إن التاريخ يعيد نفسه"... ما أصدقها من مقولة.
فإن الأحداث تتكرر والمواقف تتشابه، والعاقل من يتعلم، والكيس من لا يلدغ من جحر مرتين.
في زمن الفتنة التي كانت بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وقد
التبس الأمر على كثير من الناس بل على الصحابة أنفسهم رضى الله عنه، جاء مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه على يد أنصار معاوية رضي الله عنه، فانفلقت شمس الحقيقة، فالنبي صلى الله عليه وسلم حين رأى عمار يحمل الطوب لبناء المسجد النبوي نفض التراب عنه، وقال: ( وَيْحَ عَمّار، تَقْتلُه الفِئَةُ البَاغِيّةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنّةِ، وَيَدْعُونَه إِلَى النّارِ ) [رواه البخاري].
ويتذكر عمرو بن العاص ذلك الحديث فيدخل فزعا على معاوية ويخبره بحديث النبي فما كان من معاوية رضي الله عنه إلا أن قال مستنكرًا: ( أَوَ نَحْنُ قَتَلْنَاهُ، إنّمَا قتله عَليّ وَأصْحَابِهِ جَاءُوا بِهِ حَتّى أَلْقوه بَيْنَ رِمَاحِنَا ). [رواه الوادعي في الصحيح المسند]
***
أسترجع هذا الموقف وقد تعالت أصوات الساسة بقلب الوقائع وتشويه الحقائق، ومن خلفهم أبواق الجماهير الغفيرة التي استسلمت لثقافة الهزيمة تردد الشبهات كأنها حقائق. كلُّ يبحث عن شماعة يعلق عليها تقاعسه، أو في أحسن الحالات ظنا عجزه.
أولى هذه الشبهات التي تسري بين الناس كأنها حقيقة مسلم بها لا تقبل نقاشا، أن فلسطين الحبيبة ضاعت بسبب أهلها (الفلسطينيين) الذين باعوا أرضهم وهجروا ديارهم.
ونسى أو تناسى هؤلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم قد هاجر من مكة إلى المدينة تاركًا الأهل والدار بعد ما لاقى من عذاب واضطهاد، وهو يردد كلماته الخالدة أُخرج منها وهو يذرف الدمع ويقول: ( وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ ). [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ] ، وتناسى هؤلاء أن الفلسطينيين ما غادروا الأهل والوطن إلا بسبب المجازر الصهيونية والتخاذل العربي عن نصرتهم (1).
***
ويردد المرجفون أن الخيانة من أهلها هي السبب الأساسي في وقوع فلسطين تحت براثن الاحتلال، وهذه حقيقة ولكنها مبتورة، فالخيانة كانت من الأمة بأسرها فلسطينيين وعرب، أما خيانة أبنائها وأهلها فليست فلسطين الوحيدة التي يعيش بين أكنافها خونة ومرتزقة.
فمدينة النبي صلى الله عليه وسلم أطهر بقعة على وجه الأرض، كانت مليئة بالخونة والمنافقين، الذين تحالفوا مع اليهود وكفار قريش، بل جهروا بعداوتهم للنبي: { هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ } [المنافقون : 7-8 ]
***
وأكثر هذه الشبهات الآن ترديدًا حجتهم بأن الفلسطينيين منقسمون ومتحاربون بين مجموعتين (فتح -حماس) وكأن هؤلاء لم يسمعوا قوله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الحجرات : 9-10] وتناسى هؤلاء واجبهم نحو الإصلاح بين الطائفتين، وتناسى هؤلاء تلك الاتفاقيات التي رعوها وتبنوها من أن ينفذوها، ثم بعد ذلك يجهرون بأن القضية قضية فلسطينية داخلية، يجب حلاها داخليا أولا.
***
وأخيرا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اَللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ :
( إِنَّ اَلرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي اَلنَّارِ، أَبَعْدَ مَا بَيْنَ اَلْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ) . [متفق عليه]
--------------
(1)
انظر: المجازر الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني قبل وأثناء عام 1948

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عدد القراءات